ضفاف : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : الحِصّة وعي

حين تصبح الكلمة خندقًا… ويغدو الوعي آخر خطوط الدفاع عن السودان
في الأزمنة العادية قد يكون الوعي شأنًا ثقافيًا، لكن في زمن الحروب والمؤامرات يصبح الوعي قضية بقاء، وتتحول الكلمة إلى سلاح، ويغدو العقل الوطني جبهة لا تقل خطورة عن ميادين القتال.
السودان اليوم لا يواجه حربًا عسكرية فقط، بل يواجه حربًا تستهدف روحه وهويته وثقة شعبه في نفسه.
حرب تُدار بالإشاعة، والتلفيق، وبث الإحباط، وتقليل قدرات الدولة، والسخرية من الإمكانيات السودانية، ومحاولة تصوير الوطن وكأنه عاجز عن الوقوف من جديد.
لكن الذين يخططون لذلك لم يفهموا طبيعة هذا الشعب.
فالسوداني الذي صبر على الألم، وواجه الخوف، وتمسك بوطنه رغم الجراح، ليس شعبًا يمكن أن تهزمه حملات التضليل أو أبواق الكذب.
لقد أثبتت هذه الحرب أن السودان ما زال واقفًا، وأن القوات المسلحة السودانية قادرة على الصمود والدفاع عن الأرض والهوية، وأن إرادة الشعوب أقوى من كل المؤامرات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث أثناء الأزمات هو انهيار الوعي الجمعي، حين تتحول الأكاذيب إلى حقائق متداولة، والإشاعات إلى قناعات، ويصبح الإحباط لغة يومية بين الناس.
فهناك من يعمل بصورة منظمة على نشر اليأس، وبث العنصرية، وتمزيق الوحدة الوطنية، لأنهم يدركون أن هدم الدول يبدأ من الداخل، من العقول والنفوس، قبل أن يكون في الميدان.
لقد أصبحت الهواتف المحمولة اليوم ساحات تأثير مفتوحة، وأصبح كل شخص وسيلة إعلام متنقلة، يستطيع أن يرفع المعنويات أو يهدمها، وأن يزرع الطمأنينة أو الفوضى.
ولهذا فإن المسؤولية الوطنية لم تعد حكرًا على من يحمل السلاح، بل تشمل أيضًا من يحمي الوعي العام، ويواجه الإشاعة بالحقيقة، والإحباط بالأمل، والكراهية بروح الانتماء.
فالوعي ليس معرفةً سطحية بالأحداث، بل هو قدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين النقد المسؤول ومحاولات الهدم الممنهج.
كما أن الوطنية ليست شعارات تُرفع، وإنما مسؤولية أخلاقية تبدأ من الكلمة التي نكتبها، والخبر الذي ننشره، والموقف الذي نتخذه في لحظات الخطر.
إن السودان أكبر من المؤامرات، وأقوى من حملات التشويه، وهذا الشعب الذي صنع التاريخ قادر على صناعة النصر وإعادة الإعمار واستعادة عافيته مهما كانت التحديات.
فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل تُبنى بالوعي، وبالإيمان، وبوحدة الناس حول وطنهم.
وفي النهاية…
لن تنتصر المؤامرة ما دام في السودان شعبٌ واعٍ، وجيشٌ يقاتل بعقيدة وطن، وأمة تؤمن أن أخطر المعارك ليست تلك التي تُرى بالعين، بل تلك التي تستهدف العقول والقلوب.
الحِصّة وعي…
لأن الأوطان لا تسقط ما دام الوعي حيًا.








