مقالات

ضفاف : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : العيد حين يوقظ فينا الإنسان الذي كاد أن يتعب

 

ليس عيد الأضحى يومًا عابرًا في حياة الناس، وليس مناسبة تُقاس بعدد الأثواب الجديدة أو كثرة الموائد أو ازدحام الأسواق، بل هو لحظة إنسانية عظيمة يعود فيها القلب إلى معناه الأول، وتعود الروح إلى صفائها القديم، كأن الله يمنح البشر فرصة جديدة ليغسلوا تعب الأيام، ويعيدوا ترتيب مشاعرهم التي بعثرتها الحياة.
يأتي العيد كل عام محمولًا على أصوات التكبيرات التي تشبه النداء السماوي الكبير، ذلك النداء الذي يوقظ شيئًا عميقًا داخل الإنسان، شيئًا أكبر من الضجيج وأكبر من الحزن وأكبر من قسوة الواقع. وما إن تتعالى “الله أكبر” حتى يشعر الناس، ولو للحظات، أن الدنيا ما زالت بخير، وأن الرحمة ما زالت تسكن الأرض رغم كل هذا الخراب الذي يحيط بالعالم.
وفي السودان، لا يشبه العيد أي مكان آخر، لأن السودانيين لم يصنعوا العيد بالمظاهر وحدها، بل صنعوه بالقلوب. صنعوه باللمة، وبالزيارات، وبضحكات الأمهات، وبرائحة البخور، وبأصوات الأطفال وهم يركضون في الأزقة فرحين بالحياة كأنهم يعلنون انتصار البراءة على التعب.
العيد في السودان ليس طقسًا اجتماعيًا فقط، بل حالة وجدانية كاملة، تختلط فيها الذكريات بالأشواق، ويصبح البيت أكثر دفئًا، والوجوه أكثر قربًا، والناس أكثر تسامحًا. حتى الذين فرقتهم الأيام تعيدهم هذه المناسبة إلى بعضهم البعض، لأن العيد يحمل دائمًا قدرة غريبة على ترميم العلاقات وإحياء ما أطفأته القسوة والانشغال والمسافات.
لكن عيد هذا العام يأتي والسودان يمر بواحدة من أصعب مراحله، حرب أنهكت المدن والقرى، وأرهقت النفوس، وبدلت تفاصيل الحياة بصورة موجعة. هناك أسر فقدت أحبابها، وأطفال عرفوا الخوف قبل أن يعرفوا اللعب، وأمهات ينتظرن عودة الغائبين بالدعاء والدموع، وشباب أكلت الحرب من أعمارهم ما كان يجب أن يُصرف في الأحلام والعمل والحياة.
ومع ذلك، يبقى العيد شاهدًا على أن هذا الشعب لا ينكسر بسهولة. فالسوداني، مهما أثقلته الجراح، يظل قادرًا على أن يبتسم، وقادرًا على أن يفتح بابه للضيف، وقادرًا على أن يقاسم الآخرين ما يملك ولو كان قليلًا. وهذه ليست تفاصيل بسيطة، بل هي أخلاق شعب كامل تربى على الكرامة والرحمة والشهامة.
إن أجمل ما في عيد الأضحى أنه يعيد تعريف معنى التضحية في حياة الناس. فالتضحية ليست ذبح الأضاحي فقط، بل أن يضحي الإنسان بأنانيته، وأن ينتصر لرحمته، وأن يشعر بوجع الآخرين، وأن يدرك أن قيمة الحياة الحقيقية ليست فيما نملكه، بل فيما نمنحه للناس من محبة وأمان واحتواء.
العيد يعلمنا أن الإنسان لا يصبح عظيمًا بكثرة ما يجمع، بل بقدر ما يزرع من أثر طيب في القلوب. لذلك كان الفقراء دائمًا جزءًا أصيلًا من فرحة العيد، لأن المجتمعات التي تنسى الضعفاء تفقد إنسانيتها شيئًا فشيئًا مهما ادعت القوة والتقدم.
وفي السودان تحديدًا، نحن اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة هذه المعاني الكبيرة. أحوج ما نكون إلى أن نخفف عن بعضنا، وأن نعيد بناء الثقة والمحبة بين الناس، وأن ندرك أن الأوطان لا تُحفظ بالكراهية والانقسام، بل تُحفظ بالتسامح والتكاتف والشعور العميق بأننا أبناء وطن واحد مهما اختلفت الظروف والانتماءات.
لقد علمتنا الحرب أن الأشياء يمكن أن تضيع في لحظة، البيوت، المدن، الأموال، وحتى الأحلام، لكن الشيء الوحيد الذي يبقي الإنسان واقفًا هو الروح الإنسانية داخله. ولذلك يبقى العيد فرصة عظيمة لكي نستعيد إنسانيتنا التي حاولت القسوة أن تتعبها.
وما أجمل أن يبدأ العيد بالعفو، وبالمصافحة، وبالاتصال بمن انقطعت بينك وبينه المسافات أو الخلافات. فبعض القلوب لا تحتاج أكثر من كلمة طيبة حتى تعود للحياة من جديد. وبعض الناس لا ينتظرون منا مالًا أو هدايا، بل ينتظرون اهتمامًا صادقًا يشعرهم أنهم ما زالوا مهمين في هذه الدنيا.
العيد أيضًا مناسبة لكي نتذكر الذين غابوا عنا، أولئك الذين كانت أصواتهم تملأ البيوت دفئًا وفرحًا، ثم رحلوا تاركين فراغًا لا يملؤه شيء. في العيد تعود الذكريات بكامل قوتها، وتصبح الأماكن أكثر حنينًا، وتكتشف أن بعض الأحبة لا يغيبون أبدًا، بل يسكنون داخلنا بصورة أعمق مع مرور الزمن.
وإذا كان للعيد رسالة حقيقية، فهي أن الحياة مهما اشتدت قسوتها لا يجب أن تنتصر على قلوبنا. لأن الإنسان حين يفقد رحمته ومحبة الناس داخله، يخسر المعركة الحقيقية حتى لو بدا قويًا أمام العالم.
إلى كل السودانيين في الداخل والخارج، إلى الذين يحتفلون بالعيد وسط أسرهم، وإلى الذين فرقتهم الغربة والحرب عن أحبائهم، إلى الجنود الساهرين على أمن الوطن، وإلى الأمهات اللواتي يخبئن دموعهن حتى لا ينكسر البيت، وإلى الأطفال الذين يحاولون أن يسرقوا فرحة صغيرة من بين ركام التعب… كل عام وأنتم بخير.
نسأل الله أن يجعل هذا العيد بابًا للسلام، وأن يطفئ نار الحرب، وأن يحفظ السودان وأهله، وأن يعيد للأرض طمأنينتها، وللناس أحلامهم، وللبيوت أصوات الفرح التي غابت طويلًا.
وكل عيد، والسودانيون أكثر قربًا من بعضهم البعض، وأكثر إيمانًا بأن هذا الوطن، مهما مرّ عليه من وجع، سيظل قادرًا على النهوض، لأن الشعوب التي تملك هذا القدر من الصبر والمحبة لا تموت أبدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى