ضفاف : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : القصر الجمهوري.. عودة الدولة إلى بيتها

هناك أماكن لا تُعرف قيمتها بحجم حجارتها، ولا بفخامة مبانيها، ولا بما تضمه من مكاتب وقاعات؛ لأنها في وجدان الشعوب أكبر من المكان، وأعمق من الجدران، وأبقى من الأشخاص الذين مرّوا بها.
والقصر الجمهوري في السودان واحد من تلك الأمكنة التي تجاوزت معنى المبنى إلى معنى الدولة.
لذلك، عندما وقعت الخرطوم تحت احتلال المليشيا الإرهابية المتمردة، وامتدت يد الخراب إلى القصر الجمهوري، لم يكن ما أصاب الحجر هو أعمق الجراح؛ فقد كانت المحاولة الأخطر هي النيل من رمز السيادة، وإرباك صورة الدولة، وإيهام الناس بأن السيطرة على القصر تعني السيطرة على السودان.
لكنهم لم يفهموا السودان.
لم يدركوا أن الدولة لا تسقط لأن مبنىً أصابه الخراب، وأن السيادة لا تختصرها بوابة تُغلق أو قاعة تُهدم، وأن تاريخ أمة لا يمكن محوه بقوة السلاح.
لقد ظنوا أن القصر الجمهوري غنيمة سياسية، وأن احتلاله يمكن أن يمنحهم شرعية، وأن رفع راية فوقه يمكن أن يغيّر حقيقة الوطن.
فخاب ظنهم.
فالقصر لم يكن يومًا ملكًا لسلطة مؤقتة، ولا مقرًا لحاكم يأتي ثم يذهب؛ كان وسيظل شاهدًا على تاريخ السودان، وذاكرةً حيّة لأجياله، وعنوانًا لسيادته، ومكانًا تتصل فيه حلقات الماضي بالحاضر والمستقبل.
وعلى جدرانه مرت أزمنة السودان المختلفة، وشهدت قاعاته قرارات صنعت فصولًا من تاريخه، وفي ساحاته تعاقبت وجوه الرجال الذين حملوا أمانة الدولة، وبقي السودان أكبر من كل الوجوه، وأبقى من كل الصراعات، وأعلى من كل الظروف.
واليوم، مع استعادة القصر الجمهوري لعافيته، وعودة مؤسسات الدولة لممارسة أعمالها السيادية من داخله، فإن المشهد بالنسبة لي يتجاوز فكرة إعادة إعمار مبنى.
إنه مشهد عودة الدولة إلى بيتها.
ومبعث الفرح الحقيقي أن نرى القصر الذي أرادوا أن يجعلوه شاهدًا على سقوط السودان، يعود شاهدًا على صمود السودان.
أن تُفتح أبوابه من جديد، وأن تستعيد قاعاته وظيفتها، وأن تُمارس من داخله أعمال الدولة، وأن يعتمد رئيس مجلس السيادة سفراء جددًا، فهذه ليست مراسم بروتوكولية فحسب؛ إنها صورة بليغة لمعنى الاستمرار، ورسالة تؤكد أن مؤسسات الدولة لم تُهزم، وأن إرادة السودان لم تنكسر.
فالدول العظيمة لا تُعرف فقط بما تفعله في أيام استقرارها، وإنما بما تفعله عندما تعصف بها المحن.
والسودان، رغم فداحة ما أصابه، لم يفقد إرادته في البقاء.
لقد حاولت المليشيا أن تجعل من الخرطوم مساحة للفوضى، وأن تحول مؤسسات الدولة إلى أطلال، وأن تنزع من العاصمة روحها، وأن تجعل من القصر الجمهوري رمزًا لمرحلة الانهيار.
لكن الزمن قال كلمته.
عاد القصر.
وعادت إليه مراسم الدولة.
وعاد العلم يرفرف فوق المكان الذي أرادوا له أن يكون عنوانًا للانهيار.
وعادت الدولة تمارس أعمالها السيادية من داخله.
وهنا تكمن عظمة المشهد.
فما يُعاد اليوم ليس الحجر وحده؛ تُستعاد معه المعاني.
تُستعاد هيبة المؤسسة.
يُستعاد حضور الدولة.
وتستعيد العاصمة مكانتها.
ويُقال للتاريخ، بالفعل لا بالكلمات، إن الخراب مهما اتسع لا يستطيع أن يهزم إرادة أمة تريد أن تبني من جديد.
إنني أنظر إلى القصر الجمهوري اليوم بعين مختلفة؛ عين ترى في كل جدار أُعيد ترميمه قصة صبر، وفي كل قاعة تستعيد أنوارها شهادة على أن السودان لم ينتهِ، وفي كل مراسم سيادية تُقام داخله رسالة واضحة بأن الدولة باقية.
ولعل أجمل ما في المشهد أن القصر يعود إلى الحياة بينما ما زالت في ذاكرة الوطن صور الخراب والدم والدموع.
وهذه المفارقة هي التي تمنح العودة معناها الحقيقي.
فالسودان لا يعود من فراغ؛ يعود من بين الركام.
ولا يستعيد مؤسساته بعد أن كانت بعيدة عن متناول الدولة؛ بل يستعيدها بعد أن دفع ثمنًا غاليًا من دم أبنائه، وبعد أن وقف رجال هذا الوطن في وجه مشروع أراد أن يختطف الدولة ويبدل هويتها ويكسر إرادتها.
لذلك، فإن فرحتنا بعودة القصر ليست فرحة بمبنى جميل عاد إلى رونقه، وإنما فرحة بمعنى أعمق:
فرحة بأن الدولة ما زالت هنا.
وأن السودان، رغم كل الجراح، ما زال قادرًا على النهوض.
وأن الذين راهنوا على سقوطه لم يعرفوا طبيعة هذا الشعب.
سيظل القصر أكثر من مبنى.
سيظل ذاكرةً وحضورًا وهيبةً.
وسيظل شاهدًا على أن السودان قد يجرحه الخراب، لكنه لا يستسلم له؛ وقد تتداعى بعض جدرانه، لكن أركان الدولة لا تنهار؛ وقد يطول ليل المحنة، لكن شمس الوطن لا تغيب.
اليوم، وأنا أرى القصر الجمهوري يستعيد دوره، وأرى من داخله تُمارس أعمال الدولة السيادية، وأرى رئيس مجلس السيادة يعتمد سفراء جددًا، أشعر بأن شيئًا عزيزًا عاد إلى مكانه الصحيح.

عاد القصر إلى الدولة.
وعادت الدولة إلى القصر.
وبين العودتين، يستعيد السودان شيئًا من روحه.
وسيظل هذا القصر، مهما تبدلت الأزمنة وتعاقبت الحكومات، واحدًا من الشواهد التي تقول للأجيال إن وطنًا دفع من دمه الكثير لا يمكن أن يكون مشروعًا للغزاة، وإن دولةً صمدت في وجه العاصفة لا تختزل في مبنى، وإن شعبًا حمل وطنه فوق جراحه قادر، بإذن الله، على أن يعيد بناء كل ما تهدم.
المجد للسودان…
والمجد لكل من بذل دمه وعرقه ليبقى السودان دولةً عزيزةً، سيدةً، شامخةً، لا تنحني إلا لله.
#المجد_للسودان




