رياضة

الروح الحمراء : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : حين يتحدث الكبار بلغة الاحترام

 

كلما اقتربت البطولات من محطاتها الأخيرة، ازدادت حرارة المنافسة، وارتفعت وتيرة الترقب، وبدأت الجماهير في رسم ملامح المشهد القادم وفقاً لما تتمناه قلوبها. غير أن كرة القدم ظلت عبر تاريخها الطويل أكثر ميلاً إلى منطق العمل من منطق الأمنيات، وأكثر وفاءً لمن يحترم تفاصيلها الدقيقة من أولئك الذين يركنون إلى الثقة الزائدة أو يعتقدون أن الطريق إلى المجد يُختصر في التوقعات الجميلة.

والمريخ اليوم يقف أمام مرحلة مختلفة من عمر المنافسة، مرحلة لا تكفي فيها المهارة وحدها، ولا تحسمها الأسماء الكبيرة أو الانتصارات السابقة، وإنما تحتاج إلى شخصية متكاملة تعرف كيف تتعامل مع الضغط، وكيف تحافظ على تركيزها بينما تتسارع الأحداث من حولها.

لقد نجح الفريق خلال الفترة الماضية في تقديم صورة مطمئنة لجماهيره، ليس بسبب النتائج فقط، بل بسبب التطور الواضح في الأداء الجماعي، والقدرة على فرض الإيقاع، والتحكم في مجريات المباريات بثقة وحضور ذهني لافت. وهي مؤشرات تعكس أن العمل داخل المنظومة يسير في الاتجاه الصحيح، وأن هناك جهداً متراكماً بدأ يؤتي ثماره على أرض الواقع.

لكن التجارب الكروية الكبرى علمتنا أن أصعب لحظات النجاح هي تلك التي تسبق الحسم. ففي هذه المرحلة تحديداً تتضاعف المسؤولية، وتزداد الحاجة إلى التركيز، ويصبح الحفاظ على الاتزان الذهني عاملاً لا يقل أهمية عن الجاهزية الفنية والبدنية.

ومن هنا تأتي قيمة احترام المنافس.

فالفرق الكبيرة لا تنظر إلى خصومها بعين الاستهانة، لأنها تدرك أن كرة القدم لا تعترف بالأفضلية المسبقة عندما تنطلق صافرة البداية. ولهذا ظل الاحترام جزءاً أصيلاً من ثقافة الأندية العظيمة، ليس خوفاً من المنافس، وإنما احتراماً للعبة نفسها، وإيماناً بأن كل مواجهة تحمل تحدياتها الخاصة مهما كانت المعطيات السابقة.

والهلال، بما يملكه من تاريخ وإمكانات وخبرات متراكمة، يبقى منافساً يستحق كامل التقدير. ليس لأن مباريات القمة تخضع لحسابات مختلفة فحسب، بل لأن المواجهات الكبرى تزداد قيمة كلما كان الطرف الآخر قوياً وقادراً على صناعة التحدي.

ولهذا فإن الانشغال بالحسابات الجانبية أو نتائج الآخرين لا ينبغي أن يكون أولوية في هذه المرحلة. الأولوية الحقيقية هي أن يواصل المريخ تطوير نفسه، وأن يدخل كل مواجهة بالعقلية ذاتها التي أوصلته إلى هذا الموقع المتقدم، عقلية العمل والانضباط والاحترام.

أما جماهير المريخ، فهي مطالبة اليوم بأن تقدم واحدة من أجمل صور الانتماء. فالمعارك الكبيرة لا تُخاض داخل الملعب وحده، وإنما تمتد إلى المدرجات التي تزرع الثقة في نفوس اللاعبين، وتمنحهم ذلك الإحساس العميق بأن خلفهم أمة كاملة تؤمن بهم وتنتظر منهم الكثير.

إن المدرج الأحمر لم يكن يوماً متفرجاً على الأحداث، بل كان دائماً شريكاً في صناعة اللحظات الخالدة. وحين تمتلئ المدرجات بالشغف والإيمان، يتحول التشجيع إلى قوة معنوية هائلة تدفع اللاعبين إلى تجاوز حدودهم المعتادة، وتمنح المباراة أبعاداً تتجاوز حدود المنافسة التقليدية.

وفي نهاية الأمر، فإن الطريق إلى البطولات لا يمر عبر الغرور، ولا يُشيد بالتقليل من شأن الآخرين، وإنما تبنيه الثقة الممزوجة بالتواضع، والعمل المقرون بالاحترام، والإيمان الراسخ بالقدرة على تحقيق الأهداف.

هكذا يفكر الكبار.

وهكذا تُصنع البطولات.

وهكذا يظل المريخ وفياً لقيمه وتاريخه وجماهيره، وهو يمضي نحو أهدافه بخطوات ثابتة، وعينين لا تنظران إلى الضجيج من حولهما، بل إلى المجد الذي ينتظر في نهاية الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى