رياضة

الروح الحمراء : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : إسبانيا تكتب ملحمة الخلود… وفرنسا تغادر مرفوعة الرأس بعد ليلة من سحر كرة القدم

 

ليست كل مباريات كأس العالم تنتهي مع صافرة الحكم، فبعضها يظل حاضرًا في الذاكرة طويلًا، لأنه يحمل من الجمال ما يجعله حديث عشاق الكرة في كل مكان. وما قدمته إسبانيا وفرنسا في نصف نهائي مونديال 2026 كان احتفالًا عالميًا بكرة القدم، ودرسًا في قيمة الأداء الجماعي، وروعة الفكر الكروي، وعظمة اللاعبين الذين يعرفون كيف يصنعون الفارق في أكبر المواعيد.
دخل المنتخبان الملعب وهما يدركان أن الطريق إلى النهائي لا يحتمل الأخطاء، وأن التفاصيل الصغيرة قد تصنع الفارق. لذلك جاءت البداية مليئة بالحذر، قبل أن تفرض إسبانيا شخصيتها شيئًا فشيئًا، لتتحول المباراة إلى عرض كروي راقٍ، امتزجت فيه المهارة بالذكاء، والسرعة بالهدوء، والإبداع بالانضباط.
من تابع المنتخب الإسباني أدرك أنه أمام فريق بلغ مرحلة عالية من النضج الكروي. لم يكن الاستحواذ غاية في حد ذاته، بل وسيلة لفرض الإيقاع، وإرهاق المنافس، وفتح المساحات، والوصول إلى المرمى بأعلى درجات الثقة. كانت الكرة تنتقل بين الأقدام بانسيابية رائعة، وكأن اللاعبين يحفظون مواقع بعضهم بالفطرة، في لوحة جسدت جمال المدرسة الإسبانية بأبهى صورها.
المدرب الإسباني استحق كل الإشادة، فقد قرأ المباراة بعين الخبير، وأدارها بثقة كبيرة، ووضع لكل لاعب دوره بدقة، فظهرت المنظومة متماسكة في الدفاع، مبدعة في الوسط، وخطيرة في الهجوم. كان انتصار الفكر قبل أن يكون انتصار الأقدام، وانتصار التخطيط قبل أن يكون انتصار النتيجة.
هذا الجيل الإسباني يستحق أن يقف له العالم احترامًا. إنه جيل يجمع بين الموهبة والانضباط، وبين الطموح والشخصية، وبين الشجاعة والهدوء. لاعبون لا يبحثون عن المجد الشخصي، بل يصنعون مجد المنتخب، ولذلك جاءت الصورة متكاملة، وجاء الأداء مقنعًا، وجاء التأهل مستحقًا.
وبرز ميكيل أويارزابال بصورة القائد الذي يعرف قيمة اللحظات الكبيرة، وأكد بيدرو بورو أنه من أبرز نجوم البطولة بأدائه المميز، بينما واصل بقية زملائهم تقديم كرة جماعية راقية، فكانت كل خطوط المنتخب الإسباني تعمل بتناغم جميل، حتى بدا الفريق وكأنه يعزف سيمفونية كروية لا يعرف أحد أين تبدأ وأين تنتهي.
وفي الجانب الآخر، أثبت المنتخب الفرنسي أنه مدرسة كروية عظيمة، وأن قيمة المنتخبات الكبيرة لا ترتبط بنتيجة مباراة واحدة. حاول العودة، وقاتل بكل قوة، وأظهر شخصية الأبطال، لكنه اصطدم بمنتخب يعيش واحدة من أجمل فتراته الفنية. خرج الفرنسيون، لكنهم خرجوا باحترام العالم، لأنهم نافسوا حتى اللحظة الأخيرة، وقدموا كل ما لديهم.
أما الجماهير، فقد كانت هي البطل الآخر. المدرجات كانت لوحة إنسانية مذهلة، اختلطت فيها الألوان والأعلام والأهازيج، وتحولت إلى مهرجان عالمي يعكس عشق الشعوب لكرة القدم. ملايين المشاهدين تابعوا اللقاء بشغف، وملايين القلوب عاشت كل تمريرة، وكل هجمة، وكل هدف، وكأن العالم كله أصبح ملعبًا واحدًا.
هذه المباراة أكدت أن كأس العالم لا يقدم بطولة رياضية فحسب، بل يقدم أجمل صور الإنسانية، حيث تلتقي الشعوب حول لغة واحدة يفهمها الجميع، اسمها كرة القدم.
واليوم تقف إسبانيا على أبواب المجد العالمي، بعدما قدمت نفسها بصورة المنتخب القادر على اعتلاء القمة، وأثبتت أن الإبداع والانضباط والعمل الجماعي يصنعون البطولات. وإذا واصلت بهذا المستوى، فإنها ستكون خصمًا يخشاه الجميع في النهائي.
أما فرنسا، فإنها تغادر نصف النهائي ورأسها مرفوع، لأن تاريخها الكبير، ونجومها، وشخصيتها، كلها تؤكد أن الديوك ستعود سريعًا إلى منصات المنافسة، فهذه المنتخبات لا تعرف الاستسلام، بل تحول الإخفاق إلى بداية جديدة.
ويبقى المؤكد أن العالم كان على موعد مع واحدة من أجمل مباريات كأس العالم، مباراة ازدانت بالنجوم، وتألقت بالجماهير، وارتفعت فيها قيمة الأداء الفني، لتظل واحدة من الليالي التي سيذكرها تاريخ اللعبة طويلًا، لأنها جسدت المعنى الحقيقي لكرة القدم… الفن، والمتعة، والشغف، والعظمة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى