ضفاف : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : الخرطوم… وطنٌ يُجرح ولا ينكسر

حين تُضرب المدن في قلبها، لا يسقط الحجر وحده… بل يرتجف معه وجدان أمة كاملة.
وحين تُستهدف الخرطوم، فإن الذي يُراد إصابته ليس شارعًا ولا جسرًا ولا مطارًا فحسب، بل روح وطن، وذاكرة شعب، وحق أمة في أن تعيش على أرضها آمنةً مرفوعة الرأس.
لكنهم لا يعرفون السودان.
لا يعرفون أن هذه الأرض خُلقت من صبر النيل، ومن عناد التاريخ، ومن دماء رجالٍ إذا اشتدت المحن ازدادوا ثباتًا.
لا يعرفون أن الخرطوم ليست مدينةً من إسمنت وحديد، بل نبضٌ يسكن في صدور الملايين، فإذا جُرحت المدينة نهض الشعب كله ليضمد جراحها.
إن استهداف الأعيان المدنية جريمة لا تحتمل التأويل.
استهداف المطارات، والمرافق الخدمية، والأحياء السكنية، والأطفال الذين لم يعرفوا من الدنيا إلا دفء البيوت وأصوات الأمهات—ليس فعل حربٍ شريف، بل مأساة إنسانية يجب أن يقف أمامها العالم بضميرٍ لا يعرف المساومة.
العالم كله مطالب اليوم بأن يدين، بوضوح لا لبس فيه، ضرب الأعيان المدنية، وقتل الأبرياء، وترويع الأطفال.
ومطالب أيضًا بأن يرفض التدخل السافر في شؤون الدول ذات السيادة، لأن العبث بأمن الأوطان ليس شأنًا طارئًا، بل اعتداء على القانون والإنسان والحق في الحياة.
وما يؤلم أكثر، أن بعض من كان يُفترض أن يكونوا عونًا، صاروا—بفعلٍ أو بصمتٍ أو بتهاون—جزءًا من هذا المشهد القاسي.
لكن السودان، وهو يقرأ وجوه المواقف، لم يفقد بوصلته.
لقد عرف شعب السودان، في هذه الأيام الثقيلة، من يقف معه… ومن يخذله… ومن يراهن على انكساره.
غير أن هناك رهانًا واحدًا ظل رابحًا منذ البداية:
الرهان على هذا الشعب.
هذا الشعب الذي كلما أُريد له أن ينحني، انتصب.
وكلما حاولوا أن يزرعوا فيه اليأس، أنبت يقينًا.
وكلما اشتدت العاصفة، ازداد التفافًا حول رايته ووطنه وجيشه.
نعم…
حول جيشه.
ذلك الجيش الذي لم يكن يومًا مجرد مؤسسة، بل كان—ولا يزال—سور البلاد، وكتفها حين يثقل الحمل، وصوتها حين يحاول الخوف أن يصمتها.
في لحظات المحنة الكبرى، لا تتقدم الشعارات… بل يتقدم الرجال.
وقد تقدم رجال القوات المسلحة، يحملون الوطن في صدورهم، ويمضون حيث يتراجع الآخرون.
ومن هنا، من قلب الألم، تولد الحقيقة التي لا تتبدل:
شعبٌ واحد… جيشٌ واحد.
ليست عبارة حماسية تُقال في ساعة غضب،
بل عقيدة وطنية كُتبت في وجدان السودانيين.
هي الإيمان بأن الوطن أكبر من الجراح،
وأقوى من المؤامرات،
وأبقى من كل الذين ظنوا أن الخرطوم يمكن أن تسقط.
لن يوقف استهداف مطار الخرطوم عودة الناس.
لن يوقف البناء.
لن يطفئ النوافذ التي بدأت تُفتح من جديد.
فالذين عادوا إلى بيوتهم ما إن لامست أقدامهم أرضها، أدركوا أن الوطن لا يُستبدل، وأن الأرض تنادي أبناءها مهما اشتدت النار.
الخرطوم اليوم ليست مدينة تنتظر الشفقة.
الخرطوم مدينة تنهض.
تنهض من تحت الركام،
وتجمع شظاياها بيد،
وترفع رايتها باليد الأخرى،
وتقول لكل من راهن على سقوطها:
لقد أخطأتم قراءة هذا الشعب.
هذا شعبٌ مؤمن بالنصر.
ليس إيمان أمنيات، بل إيمان رجال يعرفون أن الحق قد يتعب… لكنه لا يموت.
وأن الأوطان قد تنزف… لكنها لا تسلّم روحها.
وأن السودان، مهما اشتدت عليه الليالي، سيخرج إلى فجره.
سيخرج لأن في داخله شعبًا لا يساوم على وطنه.
وجيشًا لا يفرّط في أرضه.
وأمهاتٍ يربين أبناءهن على أن السودان ليس خريطةً تُعلّق على الجدران، بل أمانة تُحمل في القلوب.
ولهذا نقولها اليوم، بثقة من يعرف الطريق مهما تكاثف الغبار:
لن تُهزم الخرطوم.
لن ينكسر السودان.
وسينتصر هذا الشعب… لأنه آمن، وصبر، وثبت.
وحين يكتب التاريخ هذه الأيام،
لن يكتب فقط أن الخرطوم ضُربت…
بل سيكتب أيضًا—وهذا هو الأهم—
أن الخرطوم نهضت.



