ضفاف : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : إسراء… ابنةٌ صنعت مجدها بالعلم والصبر

في حياة الإنسان محطات كثيرة تستحق التوقف عندها، لكن أجمل المحطات تلك التي يقف فيها الأب متأملاً أبناءه، فيرى فيهم امتداد عمره، وثمار تعبه، وصدى القيم التي ظل يغرسها في الأرض سنوات طويلة. وحين أتحدث اليوم عن ابنتي إسراء، فإنني لا أكتب عن ابنة فحسب، بل أكتب عن قصة نجاح، وعن رحلة كفاح، وعن إنسانة آمنت بالعلم والعمل، فاستحقت أن تصل إلى المكانة التي وصلت إليها.
منذ سنواتها الأولى كانت إسراء مختلفة عن أقرانها. كانت جادة في دراستها، دقيقة في ترتيب حياتها، تؤمن بأن لكل هدف طريقاً، ولكل حلم خطة، ولذلك لم تكن تعرف الفوضى إلى حياتها سبيلاً. كانت تنظر إلى الوقت باعتباره أثمن ما يملكه الإنسان، فكل دقيقة عندها لها قيمة، وكل ساعة فرصة جديدة للتعلم والتقدم والإنجاز.
كبرت وهي تحمل هذه الروح الجادة، فانتقلت من مرحلة إلى أخرى بثبات وثقة، حتى وصلت إلى التعليم الجامعي، ثم الدراسات العليا، دون أن تتراجع يوماً عن أهدافها أو تتهاون في مسؤولياتها. وكانت دائماً من المتميزين في دفعتها، ليس لأن النجاح جاء إليها بسهولة، بل لأنها كانت تسعى إليه بعزيمة لا تعرف التراجع.
ولعل أكثر ما يميز إسراء أنها لم تجمع بين العلم والطموح فقط، بل جمعت كذلك بين الأخلاق الرفيعة والتواضع والتسامح. فقد كانت كبيرة في تعاملها مع الآخرين، نقية في قلبها، تحترم الناس وتقدرهم، وتؤمن بأن الأخلاق هي التاج الحقيقي للإنسان مهما بلغ من علم أو مكانة.
وإذا كنت أرى كثيراً من صورتي فيها، فليس لأن ملامحها تشبهني فحسب، بل لأنني أرى فيها روح الإصرار نفسها، والالتزام ذاته، والحرص على أداء الواجب مهما كانت الظروف.
ولطالما كنت أختلف معها أحياناً بسبب خوفي عليها. فعندما تمرض أو تتعب أطلب منها أن ترتاح قليلاً، فتجيبني بكلمات تختصر شخصيتها كلها: “يا بابا، العمل مسؤولية، وأنا أتحمل مسؤولية.” عندها أدرك أنني أمام إنسانة تؤمن بأن الواجب أمانة، وأن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بالالتزام والإخلاص.
وجاءت الحرب بما حملته من آلام ومعاناة ونزوح وتشريد، فاضطررنا إلى مغادرة الخرطوم والتوجه إلى الولاية الشمالية، إلى مدينة الدبة وقرية جرا. وكانت تلك الأيام اختباراً صعباً لكثير من الأسر السودانية، لكنها كشفت أيضاً عن معادن الناس الحقيقية.
وفي تلك الظروف وجدت إسراء فرصتها في مركز العبير الطبي بالدبة، ذلك الصرح الطبي الذي استطاع أن يثبت مكانته كواحد من أهم المؤسسات الصحية في المنطقة، وأن يقدم خدماته للمواطنين في وقت كانت فيه البلاد تمر بواحدة من أصعب مراحلها.
لم يكن مركز العبير مؤسسة صحية فحسب، بل كان نموذجاً للعمل المهني الجاد، وبيئة حقيقية تحتضن الكفاءات العلمية وتمنحها الفرصة للإبداع والعطاء. وقد نجح المركز في بناء سمعة طيبة بفضل إدارته الواعية وكوادره المؤهلة وإيمانه بأن جودة الخدمة الطبية تبدأ من جودة العاملين فيها.
وفي هذا المركز وجدت إسراء المكان الذي يليق بطموحها العلمي والمهني، فواصلت مسيرتها بكل اجتهاد وإخلاص حتى أصبحت أخصائية المختبرات الأولى، وهو موقع لم تصل إليه بالمجاملة أو المصادفة، وإنما بالعلم والخبرة والانضباط والعمل المتواصل.
ويُعد معمل الأحياء الدقيقة الذي تعمل فيه وتديره من أهم الأقسام التخصصية داخل المركز، فهو المكان الذي تبدأ فيه رحلة التشخيص العلمي الدقيق لكثير من الأمراض. وهناك، بين المجاهر وأطباق الزراعة والأجهزة الحديثة، تقضي ساعات طويلة في دراسة العينات وتحليلها للوصول إلى نتائج دقيقة تساعد الأطباء في اتخاذ القرار العلاجي الصحيح.
وفي هذا المعمل يتم التعامل مع مسحات الحلق والأنف والأذن والعين والجروح، وزراعة البول، وتحليل سوائل الجسم المختلفة، واختبارات حساسية المضادات الحيوية، وهي أعمال تحتاج إلى تركيز عالٍ وخبرة واسعة وأمانة علمية كبيرة. ولذلك فإن النجاح في هذا المجال لا يتحقق إلا لمن يمتلك الصبر والدقة وحب المعرفة، وهي صفات اجتمعت في إسراء بصورة لافتة.
وحين تحررت الخرطوم وبدأ كثيرون في التفكير بالعودة، اختارت إسراء أن تواصل عملها ورسالتها المهنية في مركز العبير، لأنها رأت أن واجبها لا يزال قائماً، وأن المكان الذي منحها فرصة النجاح يستحق الوفاء.
لكن النجاح لا يصنعه شخص واحد، وإنما تقف خلفه أسرة كاملة آمنت به وساندته.
وأول التحايا وأصدق كلمات الامتنان والتقدير أهديها إلى زوجتي، أم إسراء، تلك المرأة العظيمة التي تحملت أعباء التربية سنوات طويلة في ظل ظروف العمل والسفر. لقد كانت المدرسة الأولى، والمعلمة الأولى، وصاحبة الفضل الكبير بعد الله فيما وصلت إليه إسراء وإخوتها من نجاح وتميز. وما أراه اليوم في أبنائي هو ثمرة جهد أمٍ صابرة ومخلصة ومؤمنة بقيمة التربية والعلم.
كما أتوجه بالتحية إلى حبوبتها الغالية الحاجة زينة علي حسين، تلك المرأة التي كانت مثالاً للحكمة والطيبة والكرم والأخلاق الأصيلة، والتي غرست في أبنائها وأحفادها أجمل معاني المحبة والتسامح والصبر. وستظل ذكراها ومآثرها الطيبة حاضرة في نفوس كل من عرفها.
والتحية لأخوات إسراء وأخيها الذين كانوا دائماً سنداً لها وشركاء في رحلة النجاح، والتحية لخالها وخالاتها، ولأعمامها وعماتها وأبنائهم وبناتهم جميعاً، الذين ظلوا يحيطونها بالمحبة والدعوات الصادقة والدعم المستمر.
وتحية خاصة لشقيقتي عفاف وأسرتها الكريمة، التي احتضنت إسراء وأسرتنا في ظروف النزوح الصعبة، وقدمت نموذجاً رائعاً للتراحم والتكافل الأسري الذي يتميز به أهل السودان.
كما أتقدم بخالص الشكر والعرفان للأخ الكريم خليفة محمد أحمد وأسرته بمدينة الدبة، الذين فتحوا منزلهم وقلوبهم بمحبة وكرم أصيل، فكانت مواقفهم النبيلة شاهداً على أن الخير ما زال يسكن قلوب الناس مهما اشتدت المحن.
ولا يفوتني أن أتوجه بالتحية والتقدير إلى إدارة مركز العبير الطبي والعاملين فيه كافة، من أطباء واختصاصيين وفنيين وإداريين وعمال، الذين يعملون بروح الفريق الواحد لخدمة المواطنين، ويسهمون كل يوم في تخفيف معاناة المرضى ورسم الأمل على وجوههم.
أما أنتِ يا إسراء، فإنني أكتب هذه الكلمات وقلب الأب يفيض فخراً وامتناناً. فخور بعلمك، وأخلاقك، وصبرك، واجتهادك، وإصرارك على النجاح. فخور لأنك أثبتِّ أن الإرادة القوية تستطيع أن تتجاوز كل العقبات، وأن الإنسان الذي يمتلك هدفاً واضحاً لا بد أن يصل.
أسأل الله أن يحفظكِ ويوفقكِ ويبارك في علمك وعملك، وأن يجعل كل ما تقدمينه من خدمة للناس في ميزان حسناتك، وأن يفتح أمامك أبواب النجاح والتقدم والعطاء.
فبعض الأبناء يحققون النجاح لأنفسهم، وبعضهم يحققون النجاح لأسرهم، أما أنتِ فقد أصبحتِ مصدر فخر لكل من عرفك. وستبقين دائماً بالنسبة لي ابنة أعتز بها، ونموذجاً مشرفاً للعلم والاجتهاد، وصفحة مضيئة من صفحات العمر التي أحمد الله عليها في كل حين.








