ضفاف : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : حين تتعب البنادق من الضجيج

في الشرق الأوسط لا تأتي الحروب وحدها، بل تحمل معها الخوف والدموع وارتفاع الأسعار وأحلاماً مؤجلة لملايين البشر. وحين يعلن المتحاربون جلوسهم إلى طاولة التفاوض، فإن السؤال لا يكون عن المنتصر والخاسر فقط، بل عن حجم الخراب الذي سبق لحظة المصافحة.
الاتفاق الذي جرى بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران خلال الأيام الماضية لا يمكن النظر إليه باعتباره انتصاراً كاملاً لطرف أو هزيمة كاملة لطرف آخر. فالحروب الحديثة لا تنتهي عادة بإعلان الغلبة المطلقة، وإنما تنتهي عندما تكتشف الأطراف المتصارعة أن تكلفة الاستمرار أصبحت أكبر من أي مكاسب متوقعة.
لقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة توترات متصاعدة، بدأت بالعقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية، ثم انتقلت إلى ساحات المواجهة غير المباشرة، قبل أن تصل إلى مرحلة بدت فيها المنطقة أقرب إلى انفجار واسع قد يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، جاء الاتفاق ليمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس، دون أن يبدد كل أسباب القلق.
فالولايات المتحدة تدرك أن استمرار التوتر يستنزف مواردها ويزيد من تعقيد ملفاتها الدولية، وإيران تعلم أن المواجهة المفتوحة تفرض أعباءً اقتصادية وسياسية كبيرة على الدولة والمجتمع. لذلك بدا الاتفاق أقرب إلى تسوية مؤقتة للمصالح منه إلى نهاية حقيقية للصراع.
غير أن الحديث عن أمن الشرق الأوسط لا يكتمل إذا اقتصر على العلاقة بين واشنطن وطهران فقط. فالمنطقة تعيش سلسلة متشابكة من الأزمات، ولكل أزمة أطرافها وحساباتها وتداعياتها الخاصة. ومن هنا تبرز حقيقة مهمة تتمثل في أن المخاوف الأمنية لدى شعوب المنطقة لا ترتبط بإيران وحدها، كما لا ترتبط بالولايات المتحدة وحدها.
إسرائيل بدورها ما تزال تشكل أحد أهم عناصر التوتر في الشرق الأوسط. فالحروب المتكررة في غزة خلفت دماراً هائلاً وآلاف الضحايا وأوجاعاً إنسانية يصعب تجاوزها بسهولة. كما أن المواجهات مع لبنان وما يصاحبها من تصعيد عسكري متكرر تجعل الاستقرار هدفاً بعيد المنال في كثير من الأحيان.
إن القراءة المنصفة للأحداث تقتضي الاعتراف بأن الأمن لا يتحقق عندما يشعر طرف بالقوة ويشعر الآخر بالضعف، وإنما يتحقق عندما يشعر الجميع بأن حقوقهم مصونة وأن القانون الدولي يطبق على الجميع دون استثناء. ولذلك فإن أي مشروع للسلام يتجاهل القضية الفلسطينية أو يتعامل مع معاناة المدنيين باعتبارها رقماً في نشرات الأخبار، يظل مشروعاً ناقصاً مهما حمل من شعارات براقة.
وفي المقابل، فإن المنطقة دفعت ثمناً باهظاً أيضاً نتيجة الصراعات الإقليمية وحروب النفوذ والتنافس بين القوى المختلفة. فقد تحولت بعض الدول إلى ساحات صراع بالوكالة، وضاعت فرص كثيرة للتنمية والاستقرار بسبب استمرار الاستقطاب السياسي والعسكري.
ومن يتابع تاريخ الشرق الأوسط يدرك أن الاتفاقات ليست نهاية الطريق، بل بدايته. فكم من اتفاق وقع تحت عدسات الكاميرات ثم تعثر عند أول اختبار ميداني، وكم من هدنة نجحت لأنها استندت إلى إرادة حقيقية في تجنب الحرب.
ولهذا فإن الحديث عن انتصار هذا الطرف أو هزيمة ذاك يبدو تبسيطاً لمشهد أكثر تعقيداً. فلا الولايات المتحدة حققت كل ما أرادت، ولا إيران خرجت بكل ما كانت تطمح إليه، ولا إسرائيل استطاعت إنهاء جميع مخاوفها الأمنية، ولا الشعوب العربية حصلت بعد على الاستقرار الذي تنتظره منذ سنوات طويلة.
ويبقى الدرس الأوضح أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها صناعة السلام. فالصواريخ تستطيع تدمير المدن، لكنها لا تستطيع بناء الثقة بين الشعوب. والطائرات تستطيع حسم معركة، لكنها لا تستطيع إنهاء جذور الأزمات السياسية والتاريخية.
إن الشرق الأوسط اليوم يقف عند مفترق طرق جديد. طريق يقود إلى مزيد من الصراعات المفتوحة التي لا يعرف أحد أين تنتهي، وطريق آخر يمنح الدبلوماسية والحوار فرصة لإعادة ترتيب الأولويات ووضع الإنسان في مقدمة المشهد.
ولعل أكبر ما تحتاجه المنطقة الآن ليس اتفاقاً عابراً بين دولتين، بل رؤية شاملة تعترف بحقوق الشعوب كافة، وتحترم سيادة الدول، وتضع حداً لدورات العنف التي أنهكت الجميع. فسلام المنطقة لن يولد من فوهة بندقية، ولن يصنعه طرف واحد مهما بلغت قوته، وإنما يولد عندما تدرك جميع الأطراف أن الاستقرار مصلحة مشتركة لا يمكن احتكارها.
وحين تتعب البنادق من الضجيج، وتخفت أصوات المعارك، يبقى الإنسان هو القضية الكبرى، وتبقى حياة الأبرياء هي المعيار الحقيقي الذي تُقاس به نجاحات السياسة وإخفاقاتها. وعندها فقط يمكن للشرق الأوسط أن يفتح صفحة جديدة عنوانها الأمل بدلاً من الخوف، والبناء بدلاً من الدمار، والحياة بدلاً من انتظار الحرب القادمة.







