
بعيداً عن السودان، وفي ملعب لا يشبه ملعبه، بدأ المريخ رحلة البحث عن مكانه بين الكبار من جديد. في كيغالي كان الأحمر صاحب الأرض بحكم القرعة، لكنه افتقد أهم ما تمنحه الأرض عادة: المدرجات المألوفة والجمهور الذي يعرف كيف يدفع الفريق في اللحظات الصعبة.
ومع ذلك، خرج المريخ من المواجهة أمام باور ديناموز الزامبي متقدماً بهدف نظيف، ووضع لنفسه أفضلية حقيقية قبل مباراة الإياب.
لكن قيمة النتيجة لا تكمن في الرقم وحده، وإنما في كيفية الوصول إليه وكيفية المحافظة عليه.
داركو نوفيتش بدأ المباراة بتشكيل 4-3-3، وهي صيغة تمنح الفريق توازناً بين عرض الملعب وتعدد الخيارات الهجومية، مع وجود ثلاثة لاعبين في الوسط يمكنهم صناعة مثلث يساعد على الخروج بالكرة ومواجهة ضغط المنافس.
المريخ دخل المباراة بنية هجومية واضحة، ونجح في الوصول إلى مرمى باور ديناموز حتى جاءت اللحظة الحاسمة في الدقيقة 39، عندما حصل على ركلة جزاء ترجمها أبو بكر بشير بانغورا إلى الهدف الوحيد. وتؤكد المصادر القارية أن الركلة كانت بسبب مخالفة من مدافع الفريق الزامبي داخل منطقة الجزاء.
لكن الهدف لم يكن نهاية المهمة، بل بداية الاختبار الحقيقي.
بعد التقدم، تغيرت طبيعة المباراة. باور ديناموز أصبح مطالباً بالعودة، والمريخ أصبح مطالباً بحماية أفضليته دون أن يفقد قدرته على تهديد مرمى منافسه.
وهنا تحديداً تظهر قيمة التنظيم.
المريخ لم ينجح في إضافة هدف ثانٍ رغم الفرص التي أتيحت له في الشوط الثاني، لكنه في المقابل حافظ على مرماه نظيفاً أمام محاولات الفريق الزامبي. هذه المعادلة تجعل نتيجة الذهاب جيدة جداً من الناحية الحسابية، حتى وإن كانت المساحة الفنية للتحسن ما تزال واسعة.
والأهم أن دفاع المريخ تحمل ضغطاً حقيقياً في مراحل من الشوط الثاني، ولم يسمح للمنافس بتحويل ذلك الضغط إلى هدف.
لكن هذا الجزء من المباراة يحمل أيضاً رسالة يجب ألا يغفلها الجهاز الفني.
إذا كان المريخ قد حصل على فرص لتعزيز النتيجة ولم يستثمرها، فإن مباراة الإياب ستحتاج إلى فاعلية هجومية أعلى. ففي كيتوي لن يكون الهدف هو الانتظار حتى تنتهي المباراة، لأن باور ديناموز سيدخل المواجهة وهو يعرف أنه مطالب بتغيير النتيجة.
وهذا تحديداً يمكن أن يكون في مصلحة المريخ.
الفريق الزامبي سيكون مضطراً إلى التقدم، ومع تقدمه ستظهر المساحات. والمريخ يمتلك عناصر هجومية تستطيع التعامل مع المساحة إذا كانت التحولات سريعة والتمريرات دقيقة.
لذلك فإن مفتاح الإياب قد لا يكون في كمية استحواذ المريخ على الكرة، وإنما في جودة استخدامه لها.
متى يستحوذ؟ ومتى يسرّع اللعب؟ ومتى يخرج من الضغط؟ ومتى يتحول من الدفاع إلى الهجوم؟
هذه الأسئلة أهم من البحث عن نسبة استحواذ مرتفعة لا تخدم النتيجة.
ومن الإيجابيات المهمة أن داركو نوفيتش لم يتعامل مع التقدم بهدف باعتباره نهاية المباراة، بل أجرى عدداً من التبديلات في الشوط الثاني بهدف المحافظة على النتيجة وتأمين الانتصار.
هذه إدارة مفهومة لمباراة ذهاب إقصائية، لكنها ستحتاج إلى تطوير في الإياب؛ لأن حماية النتيجة في زامبيا لن تكون ممكنة بالرجوع المستمر إلى الخلف. الأفضل للمريخ أن يحافظ على توازنه، وأن يجعل منافسه يدفع ثمن اندفاعه.
وهنا تأتي أهمية الهدف الثاني.
إذا سجل المريخ في كيتوي، فسوف تتغير الحسابات النفسية والفنية للمباراة بصورة كبيرة. أما إذا تلقى هدفاً مبكراً، فسيتحول الضغط إلى اختبار حقيقي لقدرة الفريق على المحافظة على هدوئه.
لهذا فإن الإياب لن يكون معركة دفاعية فقط.
سيكون اختباراً لقدرة المريخ على الجمع بين الانضباط والشجاعة.
الانضباط حتى لا يمنح باور ديناموز فرصة سهلة، والشجاعة حتى لا يتحول الفريق إلى كتلة دفاعية تنتظر صافرة النهاية.
واللافت أن المريخ خاض الذهاب بتشكيلة تضم عشرة محترفين ولاعباً سودانياً واحداً في التشكيل الأساسي، هو قائد الفريق أحمد عبد المنعم. هذه التركيبة تكشف حجم الاعتماد على العناصر الأجنبية في مشروع الفريق الحالي، لكنها في الوقت نفسه تجعل مسؤولية هؤلاء اللاعبين أكبر في مباراة الإياب، حيث ينتظر منهم تقديم خبرتهم في مواجهة الضغط الأفريقي.
المريخ الآن أمام فرصة حقيقية، لكنه ليس أمام مهمة منتهية.
لقد سجل هدفاً، وحافظ على مرماه، وخرج من مباراة الذهاب بأفضلية تجعله يدخل الإياب وهو يملك أكثر من طريق للتأهل.
لكن كرة القدم الأفريقية لا تكافئ من يحسب المسافة قبل أن يقطعها.
المريخ قطع خطوة في كيغالي، والآن عليه أن يثبت أن هذه الخطوة لم تكن مصادفة.
في كيتوي ستتغير الأرض والجمهور والضغط، لكن شيئاً واحداً يجب ألا يتغير: شخصية الفريق.
أن يدافع عندما يجب أن يدافع، وأن يهاجم عندما تكون لحظة الهجوم، وأن يعرف أن أفضل وسيلة لحماية تقدمه ليست الوقوف أمام مرماه، بل امتلاك القدرة على جعل المنافس يخشى فتح ملعبه.
الهدف الذي سجله بانغورا في كيغالي منح المريخ الأفضلية.
لكن الشخصية التي سيظهر بها في زامبيا هي التي ستمنح الهدف معناه الحقيقي.
فالمريخ لم يصل بعد إلى الدور التالي؛ لقد حصل فقط على أفضلية الطريق.
والطريق، في أفريقيا، لا يكافئ من يبدأ جيداً فقط…
بل من يعرف كيف يصل.



