ضفاف : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : الكهرباء… سيرة صمود وطن

في الحروب، لا تُقصف المباني وحدها، بل تُقصف المعاني التي تحفظ تماسك الأوطان.
وحين تمتد الأيدي الآثمة إلى قطاع الكهرباء، فإنها لا تستهدف أسلاكًا ومحولات ومحطات فحسب، بل تستهدف نبض الحياة ذاته، وتحاول أن تدفع المدن إلى العتمة، والناس إلى الضجر، والدولة إلى حافة الإنهاك.
لقد تعرّض قطاع الكهرباء في السودان إلى تخريب منظم ودمار واسع نفذته مليشيا الدعم السريع المتمردة، فامتدت النيران إلى منشآت التوليد، وتكسّرت خطوط النقل، وتبعثرت شبكات التوزيع تحت وطأة حرب لم تراعِ حرمة وطن ولا حق شعب في الحياة.
وكان المشهد موجعًا إلى الحد الذي جعل كثيرين يظنون أن هذا القطاع لن ينهض مرة أخرى، وأن البلاد ستغرق طويلًا في الظلام.
لكن ما لم يكن في حسبان المعتدين أن خلف هذه الشبكات رجالًا يحملون في صدورهم صلابة المدن القديمة، وعناد الذين يعرفون قيمة الوطن حين يتداعى.
صمد العاملون في قطاع الكهرباء بصورة تُشبه المعجزات اليومية؛ دخلوا إلى مواقع الخطر، وعملوا تحت هدير القذائف، وواجهوا الخوف بقلوب تعرف أن انطفاء الكهرباء ليس توقفًا لخدمة، بل اختناقًا لشريان يمس حياة الناس في كل تفاصيلها.
فالكهرباء ليست رفاهية في حياة الشعوب، بل روحٌ تسري في أوصال الدولة الحديثة.
هي التي تدفع المياه إلى البيوت، وتحفظ برودة الدواء في المستشفيات، وتمنح غرف العمليات القدرة على إنقاذ الأرواح.
هي التي تضيء مدارس الأطفال، وتشغّل الجامعات والمعامل، وتفتح أبواب المعرفة أمام الأجيال القادمة.
وهي التي تمنح المزارع القدرة على تشغيل الطلمبات ومشروعات الري، حتى تتحول الأرض اليابسة إلى حقول نابضة بالخضرة والحياة.
وحين تنطفئ الكهرباء، لا تغرق المدن في الظلام وحده، بل تتعثر الزراعة، وتختنق المصانع، وتتعطل المستشفيات، ويتراجع التعليم، ويشعر الإنسان بأن الحياة نفسها فقدت شيئًا من توازنها.
لهذا فإن استهداف الكهرباء لم يكن عملًا عسكريًا فحسب، بل محاولة لضرب مقومات الصمود اليومي للمواطن السوداني.
كان العاملون في القطاع يدركون هذه الحقيقة جيدًا، ولذلك وقفوا أمام الخراب كما يقف الجنود في خطوط القتال الأولى.
لم يرفعوا شعارات كثيرة، لكنهم كتبوا وطنيتهم بالفعل، وأثبتوا أن المؤسسات لا تحفظها الجدران وحدها، بل تحفظها السواعد المؤمنة برسالتها.
ويبقى السؤال الجوهري حاضرًا بإلحاحه المؤلم:
لماذا هذا الاستهداف العنيف لمنشآت مدنية تخدم الشعب السوداني كله؟
الإجابة لا تحتاج إلى كثير عناء.
فالغاية لم تكن تدمير البنية التحتية فقط، بل صناعة غضب شعبي واسع، ودفع الناس إلى تحميل القوات المسلحة والحكومة مسؤولية العتمة والمعاناة، حتى تتآكل الثقة بين الدولة ومواطنيها.
إنه مخطط خبيث أراد أن يجعل الخدمات ساحةً للخصومة، وأن يحوّل وجع الناس إلى أداة ضغط نفسي وسياسي.
ولهذا فإن الوعي يصبح ضرورة وطنية، لا ترفًا فكريًا.
فالذين حاولوا إسقاط المدن عبر الترويع، يحاولون أيضًا إسقاط الروح المعنوية عبر الشائعات والتشكيك وبث الإحباط.
ومن هنا تأتي أهمية الالتفاف حول القوات المسلحة ومؤسسات الدولة، تمامًا كما التف السودانيون حول وطنهم في أيام الحرب، لأن معركة الإعمار لا تقل قداسة عن معركة الصمود.
ورغم هول الدمار، بدأت خطوات البناء تعود بثبات.
عادت فرق الصيانة إلى مواقعها، وتحركت ورش العمل في مساحات كانت حتى الأمس القريب مهددة بالموت، وبدأت المساحات المظلمة تتراجع شيئًا فشيئًا أمام إرادة الحياة.
إن ما يحدث اليوم ليس عملًا سهلاً، فإعادة قطاع الكهرباء إلى ما كان عليه قبل الحرب تحتاج إلى جهد فني هائل، وإلى وقت وصبر وإمكانات.
الكهرباء ليست مفتاحًا يُدار فتعود المنظومة كاملة كما كانت.
إنها شبكة معقدة ومترابطة، وكل محطة تحتاج إلى تأهيل، وكل خط ناقل يحتاج إلى مراجعة، وكل شبكة توزيع تحتاج إلى استقرار وتأمين.
ولهذا فإن استعادة العافية الكاملة ليست رحلة قصيرة، لكنها رحلة بدأت بالفعل، وهذه الحقيقة وحدها تبعث الأمل.
وفي قلب هذه المعركة تقف جهود العاملين في التوليد والنقل والتوزيع، وتبرز أدوار الإدارات العليا، والشركة القابضة، ووزارة الطاقة والنفط، ووزارة المالية، ومجلس الوزراء، ومجلس السيادة، في محاولة إعادة القطاع إلى مساره الطبيعي رغم التحديات الثقيلة التي خلفتها الحرب.
غير أن نجاح هذه المرحلة لا يعتمد على المؤسسات وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى وعي المواطنين.
فترشيد استهلاك الكهرباء لم يعد سلوكًا اقتصاديًا فقط، بل صار واجبًا وطنيًا.
ومحاربة التوصيلات غير القانونية ضرورة لحماية الشبكات من الانهيار.
والتصدي للشائعات واجب أخلاقي، لأن الكلمة المضللة قد تهدم ما تبنيه فرق كاملة من المهندسين والفنيين.
ويجب أن يدرك الناس أن العاملين في قطاع الكهرباء ليسوا غافلين عمّا يحدث، بل هم أصحاب كفاءة وخبرة ووطنية، يعملون في ظروف استثنائية، ويحملون فوق أكتافهم مسؤولية ثقيلة تجاه وطن أنهكته الحرب.
السودان اليوم لا يحتاج إلى اليأس، بل إلى الصبر.
ولا يحتاج إلى جلد الذات، بل إلى حماية ما تبقى، ومساندة الذين يقفون في الميدان كل يوم ليعيدوا الضوء إلى البيوت والشوارع والمستشفيات والمزارع والمدارس.
فالبلاد التي استطاعت أن تقاوم الحرب، قادرة على أن تنتصر على العتمة أيضًا.
وحين تعود الكهرباء إلى كامل قوتها، لن يكون ذلك انتصارًا تقنيًا فحسب، بل سيكون إعلانًا جديدًا بأن هذا الوطن، مهما اشتدت عليه العواصف، لا يزال قادرًا على النهوض من تحت الركام.





