ضفاف : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : الكرم السوداني… ما تبقى من ملامح الوطن الجميل

في السودان، لم يكن الكرم يومًا رفاهية اجتماعية، ولا طقسًا مؤقتًا يُمارس في المواسم والمناسبات فقط، بل كان جزءًا أصيلًا من تكوين الإنسان السوداني، وعلامة من علامات الرجولة، وملمحًا من ملامح الهيبة والشهامة والصهوة الوطنية التي ظل السودانيون يتوارثونها جيلًا بعد جيل.
فالبيت السوداني الحقيقي لم يكن يُعرف بارتفاع جدرانه، بل باتساع صدر أهله، ولم تكن قيمة الرجل تُقاس بما يملك من مال، وإنما بما يفتح من أبواب، وبعدد الذين يجدون عنده طعامًا ودفئًا وطمأنينة.
وكانت النار التي تُوقد ليلًا في القرى والفرقان أشبه بإعلان أخلاقي يقول للمارة والجائعين والمتعبين: “هنا يسكن السوداني.”
الكرم في الثقافة السودانية ليس عادة اجتماعية فحسب، بل فلسفة حياة، وتربية دينية، وسلوك متجذر في وجدان الناس.
فالإسلام حين دعا إلى إكرام الضيف، وإطعام الطعام، والتوسعة على الناس، لم يكن يؤسس فقط لفضيلة فردية، بل كان يبني مجتمعًا متماسكًا، تسنده الرحمة وتجمعه المروءة.
ولذلك ظل السوداني، حتى في أشد سنوات الفقر والجفاف، يقتسم اللقمة مع ضيفه، ويخفي حاجته حتى لا يُحرج من قصده.
وكان البخل دائمًا صفة مذمومة في الوعي الشعبي السوداني، تُنقص من قدر الرجل مهما امتلك من مال أو مكانة.
فالرجال عند السودانيين لا يُعرفون بما يجمعون، بل بما يُنفقون، ولا بما يغلقون من أبواب، بل بما يفتحون من قلوب.
لكن الحرب الأخيرة، بما حملته من خراب نفسي واقتصادي واجتماعي، بدأت تُحدث تصدعات خطيرة في هذه القيمة العظيمة.
فالحروب لا تقتل البشر وحدهم، بل تُرهق الأرواح أيضًا، وتدفع الناس أحيانًا إلى الانكفاء والخوف والتقشف القاسي، حتى أصبح البعض يتردد في دعوة الناس إلى الطعام، أو يخشى أن يفتح بابه كما كان يفعل من قبل.
ومع الظروف الاقتصادية الصعبة، تسلل إلى المجتمع شيء من “ثقافة الحسبة الباردة”، وأصبح البعض ينظر إلى الضيف باعتباره عبئًا لا بركة، وإلى الولائم باعتبارها خسارة لا قيمة اجتماعية وإنسانية لها.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
لأن المجتمعات لا تنهار فقط حين تُقصف مدنها، بل حين تفقد أخلاقها الكبرى.
وحين يختفي الكرم من السودان، فإننا لا نفقد عادة اجتماعية فحسب، بل نفقد جزءًا من روحنا الوطنية، ومن صورتنا التي عرفنا بها الناس عبر التاريخ.
فالكرم السوداني لم يكن مرتبطًا بالغنى أبدًا.
كم من بيوت بسيطة كانت أكثر امتلاءً بالمحبة من قصور مترفة، وكم من رجال محدودي الدخل كانوا أكثر عظمة من أثرياء بخلاء.
القضية لم تكن يومًا قضية مال، بل قضية نفس واسعة، وإيمان عميق بأن البركة تأتي مع الناس، وأن البيوت التي يدخلها الضيوف لا يخيبها الله.
ولذلك فإن المحافظة على هذه القيمة اليوم ليست ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة اجتماعية ووطنية.
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة “اللمة”، ولقيمة الطعام المشترك، ولثقافة دعوة الناس ومشاركتهم الأفراح والأحزان.
فالمائدة السودانية لم تكن فقط مكانًا للأكل، بل كانت مساحة للتسامح، والتكافل، وتقوية العلاقات، وصناعة المجتمع.
علينا أن نُربي أبناءنا على أن الرجولة ليست صوتًا عاليًا ولا مظهرًا فارغًا، وإنما شهامة وكرم ومواقف.
وأن الرجل السوداني الحقيقي هو الذي يُشعرك بالأمان حين تدخل بيته، لا بالحرج.
هو الذي يفرح بالضيف ولو كان قليل الحال، لا الذي يختبئ خوفًا من مشاركة الناس.
الحروب مهما طالت ستنتهي، لكن الأخلاق إذا انهارت قد تحتاج أجيالًا حتى تعود.
ولهذا فإن معركتنا اليوم ليست فقط معركة بقاء وطن، بل معركة حفاظ على شخصية السودان نفسها.
ذلك السودان الذي كان الناس يعرفونه بالطيبة، والنخوة، والكرم، وبالرجال الذين كانت موائدهم أوسع من ظروفهم.
فالكرم ليس إنفاق طعام فقط…
إنه إعلان مستمر بأن الإنسانية ما تزال بخير.




