مقالات

ضفاف : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : الضوء الذي ينهض من بين الركام

 

في الأوطان التي تعبر من بين ركام المحن، تكتسب الإنجازات قيمتها الحقيقية من حجم المعارك التي خاضتها قبل أن ترى النور. وحين يدور الحديث عن قطاع الكهرباء في السودان، فإننا لا نتحدث عن خدمة ترتبط بالإنارة فحسب، وإنما عن مرفق استراتيجي ظلت ترتكز عليه حركة الحياة والإنتاج والتنمية في أحلك الظروف وأشدها قسوة.
جاءت تصريحات وزير الطاقة والنفط، المهندس المستشار المعتصم إبراهيم علي، لتضع أمام المواطنين صورة واضحة لواقع القطاع وهو يشق طريقه نحو التعافي، مستنداً إلى إرادة العاملين وخبراتهم وتراكم تجاربهم الطويلة في مواجهة الظروف الاستثنائية.
لقد ألقت الحرب بأعبائها الثقيلة على البنية التحتية للكهرباء، وتعرضت محطات ومنشآت وخطوط نقل لأضرار واسعة، كما واجه القطاع ضغوطاً تشغيلية ومالية معقدة. غير أن ما يبعث على التفاؤل أن عجلة العمل لم تتوقف، وأن مؤسسات الكهرباء ظلت حاضرة في الميدان، تبذل ما في وسعها للحفاظ على استقرار الإمداد الكهربائي وإعادة ما تأثر من مرافق ومنشآت.
ومن الإنصاف أن يُقال إن شركة كهرباء السودان القابضة وشركات التوليد والنقل والتوزيع خاضت خلال الفترة الماضية واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها. فبين آثار الحرب ومتطلبات التشغيل اليومية، واصلت هذه المؤسسات أداء رسالتها الوطنية بروح عالية من المسؤولية والانتماء.
وفي قلب هذه المسيرة يقف العاملون في القطاع بمختلف تخصصاتهم. مهندسون يشرفون على المحطات والشبكات، وفنيون يتعاملون مع الأعطال في مواقع متفرقة، وعمال يواصلون الليل بالنهار لإعادة الخدمة إلى المناطق المتأثرة. وإلى جانبهم كوادر مالية وإدارية ومحاسبية وقانونية وموظفو الموارد البشرية والمشتريات والمخازن والتخطيط والمتابعة، ممن ظلوا يديرون تفاصيل العمل اليومية بكفاءة واقتدار، ويوفرون السند المؤسسي الذي تستند إليه منظومة الكهرباء بأكملها.
فالنجاحات الكبيرة لا تصنعها التخصصات الفنية وحدها، وإنما تولد من تكامل العقول والخبرات وتلاقي الأدوار حول هدف واحد. ولهذا فإن كل محطة استعادت نشاطها، وكل خط عاد إلى الخدمة، وكل محول تم تركيبه أو صيانته، يحمل بصمة فريق كامل عمل في صمت بعيداً عن الأضواء.
ويحمل حديث الوزير أيضاً إشارات مهمة إلى المستقبل، من خلال السعي إلى رفع كفاءة التوليد المائي، وتشغيل المحطات الحرارية، والتوسع في الاستفادة من الطاقات المتجددة، إضافة إلى الانفتاح على الشراكات الإقليمية والدولية التي يمكن أن تسهم في تعزيز قدرات القطاع وتهيئة الأرضية اللازمة لمرحلة إعادة الإعمار الشامل.
كما أن استمرار التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة يعكس أهمية قطاع الكهرباء باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لعودة النشاط الاقتصادي وتحريك عجلة الإنتاج في مختلف القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية.
غير أن المحافظة على هذه المكتسبات تتطلب وعياً مجتمعياً يوازي حجم العمل المبذول. فالشبكات تحتاج إلى الحماية، والمرافق العامة تحتاج إلى المحافظة عليها، والالتزام بسداد الاستهلاك يمثل ركيزة أساسية لاستدامة الخدمات وتطويرها. فالكهرباء ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما مشروع وطني تتقاطع عنده مصالح الجميع.
وإذا كانت الحرب قد خلفت الكثير من الأضرار، فإنها كشفت في المقابل عن معدن الرجال والنساء الذين تمسكوا بواجبهم المهني والوطني، واختاروا أن يكونوا جزءاً من معركة البناء بدلاً من الاستسلام لواقع الخراب.
وعندما يطوي الزمن صفحات هذه المرحلة، سيبقى في الذاكرة رجال ونساء لم يبحثوا عن الأضواء ولا عن الثناء، بل انحازوا إلى واجبهم الوطني في أصعب الظروف، فحملوا على أكتافهم مسؤولية الحفاظ على أحد أهم مرافق الدولة وخدمة المواطنين. أولئك هم الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للأمم، لأن الأوطان لا تنهض بالخطب الرنانة، وإنما تنهض بسواعد المخلصين وإرادة الذين يؤمنون بأن الغد الأجمل يستحق كل هذا العطاء.
فالضوء الذي يصل إلى بيوت الناس ليس نتاج محطات وخطوط وشبكات فحسب، بل هو ثمرة إخلاص رجال ونساء آمنوا بأن خدمة الوطن رسالة لا تنطفئ مهما اشتدت العواصف، وأن السودان، رغم كل ما مر به، قادر على أن يستعيد عافيته ويواصل مسيرته نحو البناء والنهوض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى