ضفاف : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : عبد الرحيم أرقي… حين يرحل صوتٌ كانت تتكئ عليه ذاكرة السودان

في السودان، لم تكن الأغنية يوماً وسيلة للترفيه، بل كانت من أعظم القوى التي صنعت الوجدان الوطني، وحفظت ذاكرة المجتمع، وربطت بين ضفاف النيل وسهول الجزيرة وصحارى الشمال وجبال الغرب وسواحل الشرق. كانت الأغنية السودانية وطناً آخر، يلتقي فيه الناس على المحبة مهما اختلفت لهجاتهم وألوانهم وثقافاتهم، لأنها انحازت دائماً إلى الإنسان، وحملت في كلماتها وألحانها معاني الوفاء، والتسامح، والتعايش، والانتماء، والإيمان بأن الجمال أحد أهم وجوه الوطن.
ولذلك، لم يكن الفن السوداني الأصيل فناً للتسلية، بل كان وثيقة تحفظ سيرة الناس، ومدرسة تربي الذوق العام، ولساناً يعبر عن أحلام البسطاء وآمالهم وآلامهم. ولهذا أيضاً، ظل المبدعون الحقيقيون يحتلون مكانة لا تقل عن مكانة أصحاب الفكر والقلم، لأنهم ساهموا في تشكيل الشخصية السودانية، وصنعوا ذاكرة مشتركة عبرت الأجيال، وتجاوزت الحدود، وحملت صورة السودان إلى محيطه العربي والإفريقي.
وحين يترجل واحد من هؤلاء الكبار، لا تفقد الساحة الفنية مطرباً فحسب، وإنما يفقد السودان صفحة من أجمل صفحاته، وصوتاً عاش بين الناس أكثر مما عاش على المسارح، وفناناً حمل رسالة الفن النبيل، وآمن بأن الأغنية يمكن أن تكون جسراً للمحبة، ولغة للتسامح، ووسيلة لترسيخ القيم الجميلة.
هكذا جاء رحيل الفنان الكبير عبد الرحيم أرقي، أحد أعمدة فن الطمبور، وأحد الأصوات التي استطاعت أن تنقل نبض الشمال السوداني إلى كل بيت، ثم تعبر به إلى خارج الحدود، حتى أصبحت أغنياته حاضرة في وجدان محبي الفن في السودان وتشاد وجنوب السودان ونيجيريا، وفي أماكن أخرى، لأن الإبداع الصادق لا تعوقه لغة، ولا تحده جغرافيا.
لم يكن عبد الرحيم أرقي فناناً حمل اسماً، بل كان إنساناً حمل رسالة. ظل طوال مسيرته وفياً للأرض التي أنجبته، وللقيم التي تربى عليها، وللناس الذين أحبوه، فبادلوه حباً بحب، ووفاءً بوفاء، حتى أصبح اسمه واحداً من العلامات المضيئة في تاريخ الأغنية السودانية.
وكان يحمل اسم أرقي باعتزاز، حتى صار اسم القرية جزءاً من سيرته، وجزءاً من تاريخ الفن السوداني. ولم يكن ذلك مصادفة، فهذه القرية الوادعة على ضفاف النيل ليست مكاناً عادياً، بل واحدة من البيئات التي ظلت تقدم للسودان أجيالاً من المبدعين في الفن، والشعر، والأدب، والثقافة، والتعليم، والعمل العام. إنها قرية ولودة، تعرف كيف تزرع في أبنائها قيمة الإبداع، وكيف تجعل الثقافة أسلوب حياة.
ومن هذه الأرض خرج أيضاً الفنان الكبير الراحل صديق أحمد، الذي ترك بصمة راسخة في الأغنية السودانية، ليؤكد أن أرقي لم تنجب موهبة واحدة، وإنما أنجبت جيلاً من المبدعين الذين رفعوا اسم السودان عالياً، وأسهموا في إثراء حركته الثقافية والفنية.
كبر عبد الرحيم أرقي بين النيل والنخيل، وتشرب من بيئته صفاءها وصدقها. لذلك جاء صوته مختلفاً، يحمل هدوء الماء، ودفء الأرض، وحنين المغتربين، ونبل الإنسان السوداني. لم يكن يغني ليحقق شهرة، وإنما كان يغني لأنه يؤمن بأن الأغنية تستطيع أن تبني جسوراً بين القلوب، وأن الفن مسؤولية قبل أن يكون موهبة.
ومن هنا جاءت أعماله خالدة، لأنها خرجت من قلب صادق، ووصلت إلى قلوب الناس دون استئذان.
من ينسى رائعته “حبي أنا ليك كان زادي”، التي كتب كلماتها الشاعر المبدع علاء الدين من قرية أرفي، فكانت واحدة من أجمل الثنائيات التي عرفها فن الطمبور، حيث التقت القصيدة العميقة بالصوت المفعم بالإحساس، فولدت أغنية أصبحت جزءاً من وجدان السودانيين.
ومن ينسى “كان جو الحناي”، أو تلك الكلمات التي حفظها الناس عن ظهر قلب:
“وين أكت بضاريهو من الناس… خايف عليهو شر العين.”
لقد تجاوزت هذه الكلمات حدود الأغنية، لتصبح تعبيراً شعبياً عن الحب الصافي، والحرص على الأحبة، والخوف عليهم، وهي قيمة إنسانية حملها عبد الرحيم أرقي في كثير من أعماله.
كما بقيت أغنيات مثل “عافي منك”، و”لما ساقتني الخطيوات”، و”رويان من قليبك يمة”، وغيرها، محطات مضيئة في تاريخ الغناء السوداني، لأنها كانت تنتمي إلى مدرسة تحترم الكلمة، وتصون اللحن، وتؤمن بأن الفن رسالة ترتقي بالإنسان.
ولم يكن نجاحه صناعة فردية، فقد تعاون مع شعراء مبدعين، وفي مقدمتهم الشاعر علاء الدين عبد الرحيم أب سير، الذي كتب له نصوصاً حملت روح الشمال ودفء الإنسان السوداني، فالتقت الكلمة بالصوت، وصنعا معاً إرثاً سيبقى ما بقيت الأغنية السودانية.
لقد كان عبد الرحيم أرقي من الفنانين الذين حافظوا على أصالة فن الطمبور، وفي الوقت نفسه جعله أكثر قرباً من الأجيال الجديدة. فأسهم في ترسيخ مكانته بوصفه أحد أهم روافد الثقافة السودانية، وأثبت أن الفن المحلي يستطيع أن يصبح فناً قومياً حين يكون صادقاً، وأن يصل إلى خارج الحدود حين يحمل قيماً إنسانية مشتركة.
ولذلك لم يكن غريباً أن تجد أغنياته صدى واسعاً في تشاد وجنوب السودان، وأن يتفاعل معها مستمعون في نيجيريا ومناطق أخرى من إفريقيا، لأن اللحن الصادق لا يحتاج إلى ترجمة، ولأن القلوب تفهم لغة الجمال أينما كانت.
ولم يكن ذلك استنتاجاً نظرياً فقط، بل تجربة شخصية عشتها بنفسي حين زرت إثيوبيا، حيث فوجئت بأغنيات عبد الرحيم أرقي تتردد هناك، ويتناقلها بعض محبي الفن السوداني، رغم اختلاف اللغة والبيئة. عندها أدركت أن الفن الأصيل لا يعترف بالحدود، وأن الأغنية التي تولد من صدق الإحساس تستطيع أن تعبر الأنهار والسهول والجبال، لتستقر في وجدان الشعوب، لأن الجمال يملك لغة لا تحتاج إلى ترجمان.
لقد كان عبد الرحيم أرقي يغني للحب في أصفى معانيه، ويغني للأم بوصفها رمز الحنان الأول، ويغني للوطن باعتباره الذاكرة الكبرى التي تجمع الناس، كما غنى لكل القيم الإنسانية التي تمنح الحياة معناها الحقيقي؛ فكان فنه امتداداً للإنسان في أبهى صوره، وصوتاً يذكّر الناس بأن الجمال يمكن أن يكون موقفاً، وأن الأغنية يمكن أن تكون رسالة أخلاقية قبل أن تكون لحناً عابراً.
واليوم، يودع السودان عبد الرحيم أرقي، لكنه لا يودع صوته، لأن الأصوات الكبيرة لا ترحل. إنها تتحول إلى ذاكرة، وإلى تراث، وإلى جزء من وجدان الشعوب. وستظل أغنياته تصدح في البيوت، وعلى ضفاف النيل، وفي ليالي الشمال، وفي وجدان كل من عرف قيمة الفن الأصيل.
رحم الله الفنان الكبير عبد الرحيم أرقي، ورحم الفنان الكبير صديق أحمد، ورحم كل من جعل من الأغنية السودانية رسالة للمحبة والسلام والوحدة.
سيظل اسم أرقي مضيئاً، لأنها لم تنجب مبدعين فحسب، بل أنجبت قيماً، وأنجبت رجالاً آمنوا بأن الثقافة قادرة على جمع الناس حين تعجز السياسة، وأن الفن يستطيع أن يحفظ للوطن روحه مهما اشتدت عليه المحن.
سلام عليك يا عبد الرحيم أرقي…
يوم ولدت على ضفاف النيل، ويوم غنيت للحب والوفاء والتسامح، ويوم رحلت تاركاً خلفك إرثاً لا يقدَّر بثمن.
وسيظل الطمبور، كلما لامست أوتاره نسيم الشمال، يروي للأجيال أن هنا عاش رجل أحب السودان، فأحبه السودان، وأن الفن حين يخرج من القلب، يظل حياً ما بقيت القلوب تنبض.






