مقالات

ضفاف : *نصر الدين بخيت العقابي يكتب *الإعلام… معركة الوعي في زمن العولمة*

 

في هذا العالم المتسارع، لم تعد الدول تُقاس فقط بما تملكه من موارد أو جيوش أو مؤسسات، بل أصبحت تُقاس أيضًا بقدرتها على إدارة المعلومة، وصناعة الوعي، والتواصل مع شعوبها والعالم بلغةٍ عصرية واحترافية.
فالعالم اليوم يعيش عصر العولمة الإعلامية؛
عصرًا أصبحت فيه المعلومة تعبر القارات في ثوانٍ، وتصل إلى ملايين البشر بضغطة هاتف، وأصبحت فيه الصورة والكلمة قادرتين على التأثير في الرأي العام أكثر من كثير من أدوات القوة التقليدية.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة في هذا العصر ليس فقط التحديات العسكرية أو الاقتصادية، بل التأخر الإعلامي، وضعف الخطاب المؤسسي، وغياب القدرة على إدارة الرواية الوطنية وسط هذا الفضاء المفتوح.
والسودان، وهو يواجه حربًا عسكرية، وضغوطًا اقتصادية، ومعركةً دبلوماسية وإعلامية معقدة، يحتاج اليوم إلى إدراكٍ حقيقي أن الإعلام لم يعد نشاطًا ثانويًا داخل المؤسسات، بل أصبح جزءًا من الأمن الوطني والاستقرار السياسي والاجتماعي.
فالمشكلة الأساسية ليست في غياب الكفاءات وحدها، وإنما في غياب الاهتمام الكافي بالإعلام داخل كثير من مؤسسات الدولة.
*لا يزال البعض ينظر إلى الإعلام باعتباره هامشًا إداريًا أو وسيلةً لنشر الأخبار التقليدية، بينما الحقيقة أن الإعلام الحديث أصبح علمًا قائمًا بذاته، وأداةً لإدارة الأزمات، وبناء الثقة، وشرح مواقف الدولة، والتأثير في الرأي العام داخليًا وخارجيًا.*
وفي زمن العولمة، لم يعد ممكنًا أن تعمل المؤسسات بعقلية الانغلاق أو الصمت الطويل.
فالفراغ الإعلامي لا يبقى فارغًا…
بل تملؤه الشائعات، والمعلومات المضللة، والروايات المعادية.
ولهذا فإن أول خطوة نحو تطوير الإعلام هي الإيمان الحقيقي بأهميته.
يجب أن تدرك مؤسسات الدولة أن الإعلام ليس واجهة شكلية، بل شريك أساسي في نجاح المؤسسة، وفي حماية صورتها، وفي بناء الثقة بينها وبين المجتمع.
كما أن تطوير الإعلام لا يمكن أن يحدث دون تهيئة بيئة مناسبة للعمل الإعلامي.
فالعمل الإعلامي يحتاج إلى بيئة تؤمن بحرية الوصول إلى المعلومة، وبأهمية التواصل السريع، وبضرورة التعامل مع الإعلام باعتباره جزءًا من عملية الإدارة نفسها، لا عبئًا إضافيًا عليها.
ومن أكبر المشكلات التي تواجه الإعلام المؤسسي في كثير من الجهات الرسمية غياب المعلومة أو تأخرها.
فالإعلامي لا يستطيع أن يعمل في الظلام، ولا يمكنه مواجهة سيل الشائعات إذا لم يجد المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب.
ولهذا فإن توفير المعلومة يجب أن يصبح ثقافة مؤسسية، لأن المعلومة حين تُحجب تتسع مساحة التأويل، وتصبح الروايات غير الدقيقة أكثر انتشارًا وتأثيرًا.
كما أن المرحلة الحالية تحتاج إلى تدريب مستمر للعاملين في المجال الإعلامي.
فالإعلام يتطور كل يوم، وأدوات التأثير تتغير بسرعة هائلة، ومنصات التواصل أصبحت تمتلك تأثيرًا مباشرًا على الرأي العام، ولذلك لا يمكن أن ينجح الإعلام بعقلية قديمة أو بأساليب تقليدية جامدة.
التدريب اليوم لم يعد رفاهية…
بل ضرورة مهنية ووطنية.
تدريب في إدارة الأزمات، وفي الإعلام الرقمي، وفي صناعة المحتوى، وفي التعامل مع الإعلام الدولي، وفي كيفية تقديم المعلومة للرأي العام بصورة مهنية ومسؤولة.
كما أن تطوير الإعلام يحتاج إلى توفير الوسائل والموارد والإمكانات الحديثة، لأن الإعلام القوي لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى أدوات تساعده على أداء رسالته بكفاءة.
فلا يمكن الحديث عن إعلامٍ متطور دون كاميرات وتقنيات حديثة، ودون منصات رقمية فعالة، ودون بيئة عمل مستقرة، ودون دعمٍ يتيح للإعلاميين الحركة والوصول والتغطية وإنتاج المحتوى بصورة احترافية.
فالوسائل الحديثة اليوم أصبحت جزءًا من قوة الرسالة الإعلامية نفسها، والعالم لم يعد ينتظر الخطاب التقليدي البطيء، بل يتعامل مع الصورة السريعة، والمحتوى الذكي، والرسالة المختصرة القادرة على الوصول والتأثير.
كما أن المؤسسات مطالبة بالاستفادة من أصحاب الخبرات والتجارب العملية، لأن الخبرة الإعلامية في أوقات الأزمات تُعد من أهم عناصر النجاح.
فالإعلام في زمن الحروب لا يحتاج فقط إلى من ينقل الخبر، بل إلى من يفهم تأثير الكلمة، ويعرف كيف تُدار المعركة الإعلامية بعقلٍ بارد، ورؤيةٍ وطنية، وإحساسٍ عالٍ بالمسؤولية.
إن السودان اليوم في حاجة إلى إعلام دولةٍ حقيقي…
إعلام يمتلك الرؤية، والمعلومة، والخبرة، والوسائل، والقدرة على مخاطبة الداخل والخارج بثقة ووعي.
لأن معارك العصر لم تعد تُحسم بالسلاح وحده، بل تُحسم أيضًا بالصورة، والكلمة، والمعلومة، والقدرة على التأثير في العقول.
ولهذا فإن الاهتمام بالإعلام لم يعد خيارًا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة، وتفرضها معركة الوعي التي يخوضها السودان في هذا الزمن المعقد.
فالإعلام القوي لا يحمي صورة الدولة فقط…
بل يحمي وعي المجتمع، ويرفع الروح المعنوية، ويعزز الثقة، ويمنح الوطن القدرة على أن يروي قصته بصوته، لا بأصوات الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى