ضفاف : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : رجالٌ يحملون الوطن على أسلاك الضوء

في الوجدان السوداني مثلٌ قديم يقول:
“إن شاء الله يوم شكرك ما يجي”…
وهي عبارةٌ تبدو في ظاهرها دعاءً جميلاً، لكنها تحمل في عمقها شيئًا من القسوة غير المقصودة، وكأن الوفاء لا يُقال إلا بعد الغياب، وكأن كلمات الامتنان لا تجد طريقها إلى أصحابها إلا حين يرحلون أو يبتعدون عن مواقع العطاء.
لكن الأوطان الحقيقية لا تؤجل الاعتراف بالجميل…
ولا تنتظر انطفاء الرجال حتى تشكرهم.
فالوفاء حين يأتي في وقته يصبح قيمةً أخلاقية عظيمة، ورسالةً صادقة تقول لكل من يعملون في صمت:
“إن الوطن يراكم… وإن تعبكم لا يضيع.”
ولهذا لم يكن التكريم الذي قدّمه السيد والي ولاية الجزيرة للباشمهندس أبوذر حسن أحمد تكريمًا شكليًا لشخصٍ بعينه، بل كان رسالة وفاء صادقة لكل العاملين بالشركة السودانية لنقل الكهرباء، ولكل أولئك الجنود المجهولين الذين ظلوا يقاتلون بصمت من أجل أن يبقى السودان مضيئًا رغم قسوة الظروف.
فالباشمهندس أبوذر يمثل نموذجًا لعشرات بل مئات الرجال داخل قطاع النقل الكهربائي؛ أولئك الذين صنعتهم المحطات، وربّتهم الأعطال الطارئة، وصقلتهم ساعات الطوارئ والعمل الشاق، حتى أصبحوا جزءًا من نبض هذا الوطن.
وحين نتحدث عن الشركة السودانية لنقل الكهرباء، فإننا لا نتحدث عن مؤسسة عادية، بل عن واحدة من أهم مؤسسات الدولة التي تحمل الوطن فوق أسلاك الضغط العالي، وتمتد بخطوطها ومحطاتها من مدينة إلى أخرى، ومن قرية إلى أخرى، لتربط السودان بعضه ببعض عبر شريان الضوء.
ورغم أنها من أقل شركات الكهرباء عددًا من حيث العاملين، إلا أنها من أكثرها مسؤوليةً واتساعًا وتأثيرًا، لأن أي خلل في قطاع النقل يعني أن الظلام قد يتمدد إلى مساحاتٍ واسعة من البلاد.
ولهذا ظل العاملون فيها في حالة استنفار دائم؛
مهندسون، وفنيون، وعمال، وإداريون، وسائقون، وعاملون في الورش ومراكز التحكم والطوارئ، يحملون فوق أكتافهم عبئًا ثقيلًا لا يشعر به كثير من الناس إلا حين تنطفئ الكهرباء.
والتحية كذلك لإدارة الشركة السودانية لنقل الكهرباء، التي تدير هذا القطاع الحيوي وسط ظروفٍ شديدة التعقيد، وتتحمل مسؤولية شبكة تمتد عبر وطنٍ مترامي الأطراف، في زمنٍ أصبحت فيه المحافظة على استقرار الكهرباء تحديًا يوميًا يحتاج إلى الحنكة والخبرة وسرعة القرار.
فالإدارة الناجحة لا تُقاس بالكلمات، بل بقدرتها على الصمود وقت الأزمات، وبقدرتها على إبقاء هذا الشريان الحيوي نابضًا رغم شُح الإمكانيات وقسوة التحديات.
والتحية تمتد كذلك إلى شركة كهرباء السودان القابضة، التي ظلت تمثل المظلة الكبرى لهذا القطاع المهم، وهي تواجه واقعًا بالغ الصعوبة، يحتاج إلى صبر الرجال وإرادة المؤسسات الوطنية التي تؤمن أن الكهرباء ليست رفاهية، بل قضية ترتبط باستقرار الوطن وحياة الناس اليومية.
فما تقوم به الشركة القابضة، بكل إداراتها وقطاعاتها، هو معركة مستمرة من أجل الحفاظ على بقاء الخدمة واستمرارها في ظرفٍ استثنائي تمر به البلاد.
ثم التحية الكبرى لكل العاملين في قطاع الكهرباء السوداني…
في التوليد، والنقل، والتوزيع، والطوارئ، والصيانة، ومراكز التحكم، والمحطات، والورش، والحسابات، والمخازن، وكل موقعٍ تُبذل فيه قطرة عرق حتى يبقى السودان مضيئًا.
التحية لأولئك الذين يعملون حين ينام الناس،
ويخرجون نحو الأعطال حين يخشى الآخرون الاقتراب،
ويحملون همّ الوطن فوق أكتافهم دون ضجيج أو انتظار مقابل.
فهؤلاء ليسوا موظفين…
بل حرّاس الضوء الأخير في وطنٍ حاولت العتمة أن تكسر روحه.
وفي كل مرة كانت فيها البلاد تواجه امتحانًا عسيرًا، كان رجال الكهرباء هناك…
في المحطات، وعلى امتداد الخطوط، وبين الخطر والدخان والظلام، يصنعون من المستحيل حلولًا، ويعيدون النور إلى البيوت، ويزرعون الطمأنينة في قلوب الناس.
ولهذا فإن التكريم الذي ناله الباشمهندس أبوذر يجب أن يُقرأ باعتباره رسالة تقدير لكل العاملين بالشركة السودانية لنقل الكهرباء، ولكل منسوبي قطاع الكهرباء السوداني عمومًا.
هو تكريم لكل يدٍ أمسكت بمعدةٍ أو أداة صيانة من أجل إصلاح عطل، ولكل مهندس ظل ساهرًا يتابع استقرار الشبكة، ولكل فني صعد الأعمدة في الظروف الصعبة، ولكل عاملٍ تحمل المشقة بصمت، ولكل إداري ظل يدير التفاصيل اليومية حتى تستمر المنظومة في العمل.
فالعمل في الكهرباء ليس مهنةً عادية…
بل مسؤولية ترتبط بحياة الناس اليومية، وباستقرار المستشفيات، والمياه، والمخابز، والمؤسسات، وكل تفاصيل الحياة.
وحين يحافظ رجال الكهرباء على استمرار التيار، فإنهم في الحقيقة يحافظون على استمرار الحياة نفسها.
لذلك فإن التحية لا تكفيهم…
لكنها أقل ما يمكن أن يُقال في حق رجالٍ اختاروا أن يعملوا بصمت، دون ضجيج، ودون انتظار مقابل، مؤمنين أن خدمة السودان شرفٌ يكفي وحده ليكون المكافأة الكبرى.
فالتحية لكل جنود النقل الكهربائي…
ولكل العاملين في قطاع الكهرباء السوداني…
للذين يحملون الوطن على أسلاك الضوء،
وللذين يحرسون النور كي لا تسقط البلاد في العتمة،
وللذين يثبتون كل يوم أن خلف هذا الضوء رجالًا لا يعرفون الانطفاء.






