ضفاف : نصر الدين بخيت العقابي يكتب : حين تصبح الذاكرة حصناً للوطن

بعض النصوص لا تُقرأ بعينٍ عادية،
بل تُقرأ بقلبٍ يرتجف أمام حجم المعنى الذي تحمله.
وحين كتب الكاتب عمار كيجاب عن مقبرة شهداء جهاز المخابرات العامة، لم يكن ينقل تفاصيل زيارةٍ لمكانٍ يضم أسماء الراحلين، بل كان يفتح نافذةً واسعة على المعنى الحقيقي للوطن حين يُكتب بالوفاء والتضحية.
هناك أماكن لا تشبه سائر الأمكنة.
أماكن تشعر فيها أن الأرض تحفظ أصوات الرجال حتى بعد رحيلهم، وأن الصمت نفسه يصبح مفعماً بالحكايات. فالشهداء لا يتركون خلفهم قبوراً فقط، بل يتركون قيماً كبرى تظل تمشي بين الناس، وتذكّرهم بأن الأوطان تُحمى بقلوبٍ آمنت بها حتى اللحظة الأخيرة.
ما حمله ذلك السرد لم يكن وصفاً لمشهدٍ مؤثر فحسب، بل كان كشفاً عميقاً لحقيقة ظل كثيرون بعيدين عنها؛ حقيقة أن الحروب لا تُخاض بالسلاح وحده، بل تُدار أيضاً بعقولٍ تسهر في الظل، وعيونٍ لا تنام، ورجالٍ يعملون بصمت حتى يبقى الوطن واقفاً.
في لحظات الخطر الكبرى، يظهر أولئك الذين لا يبحثون عن الأضواء.
رجال يؤمنون أن الواجب أسمى من الشهرة، وأن الوطن يستحق أن يُحمى حتى وإن غابت أسماؤهم عن المنابر والصور. لذلك تبقى قصصهم أكثر رسوخاً في الوجدان، لأن الصدق دائماً يترك أثره العميق في ذاكرة الشعوب.
لقد وقف الشهداء في وجه العاصفة الكبرى وهم يدركون أن السودان كان يواجه محاولة اقتلاعٍ كاملة لإنسانه وتاريخه وطمأنينته. وقفوا في وجه مليشيا نشرت الخوف في القرى والمدن، وأحرقت البيوت، ونهبت الممتلكات، ودفعت آلاف الأسر إلى النزوح والشتات، وتركت خلفها وجعاً ثقيلاً في ذاكرة الوطن. كانت المعركة أكبر من مواجهةٍ عسكرية؛ كانت معركة دفاع عن الإنسان السوداني نفسه، عن كرامته، وعن حقه في الحياة الآمنة فوق أرضه. لذلك لم يحمل هؤلاء الرجال السلاح دفاعاً عن حدودٍ فقط، بل حملوه حمايةً للأمهات والأطفال والشيوخ، وحراسةً لبيوت الناس وأحلامهم البسيطة. سقطوا وهم يفتحون الطريق لوطنٍ يريد أن ينهض من تحت الركام، ويستعيد ملامحه التي حاولت الحرب تشويهها. الرحمة والمغفرة للشهداء الأبرار الذين كتبوا أسماءهم في سجل الخلود، والشفاء العاجل للجرحى والمصابين الذين حملوا أوجاع الوطن في أجسادهم، والعودة الآمنة لكل مفقود ما زالت القلوب تنتظر صوته وملامحه. والدعاء الصادق بأن يكتب الله النصر المؤزر للقوات المسلحة، والقوات النظامية، والقوات المشتركة، والقوات المساندة، والمقاومة الشعبية، ولكل من وقف في خندق الدفاع عن السودان حتى يعود الوطن آمناً، وتعود الحياة إلى المدن التي أنهكتها الحرب.
ولعل أكثر ما يهز الروح، أن الإنسان حين يستمع إلى شهادات من عاشوا تلك الوقائع، يكتشف أن البطولة ليست صورةً حماسية تُقال في الخطب، بل وجعٌ ثقيل يسكن صدور الذين فقدوا رفاقهم وهم يدافعون عن البلاد. لذلك تصبح دمعة أحد الشهود على تلك الأيام أصدق من صفحاتٍ كاملة من الكلام، لأنها تحمل ثقل الفقد وعظمة التضحية في آنٍ واحد.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم بعد الحروب ليس الخراب المادي فقط، بل أن تفقد ذاكرتها.
فحين تُنسى تضحيات الرجال، يتسلل الوهن إلى الوعي، وتصبح الأجيال الجديدة بعيدة عن فهم الثمن الحقيقي الذي دُفع لأجل أن يبقى الوطن متماسكاً.
لهذا فإن تحويل مقابر الشهداء إلى مناراتٍ وطنية للمعرفة والتوثيق ليس عملاً رمزياً، بل ضرورة أخلاقية ووطنية. لأن الأجيال تحتاج أن ترى بأعينها معنى الفداء، وأن تدرك أن الاستقرار الذي تنعم به الشعوب لم يولد من فراغ، بل خرج من رحم التضحيات الكبرى.
الأمم الحية لا تكتفي بالبكاء على شهدائها، بل تجعل منهم جسوراً تعبر بها الأجيال نحو وعيٍ أعمق وانتماءٍ أكثر صدقاً. فالوطن الذي يحفظ أسماء رجاله، يظل قادراً على إنجاب رجالٍ جدد يحملونه عند الشدائد.
المجد والخلود لشهداء السودان…
ولكل روحٍ كتبت بدمها درساً لن يسقط من ذاكرة الوطن.







